أكرمْ أباك وأمَّك

إن الوصايا الأربع الأولى هي عن كيفيَّة التَّعامل مع الرَّبِّ الإله، أمَّا الوصيَّة الخامسة فهي عن كيفيَّة التَّعامل مع النَّاس، وهي أوَّل وصيَّةٍ مقرونةٍ بوعد، أي أنَّك إن عملتَ بها، ستتلقَّى مكافأةً من الرَّبِّ، في سفر الخروج 20 (12 أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِكَيْ تَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى ٱلْأَرْضِ ٱلَّتِي يُعْطِيكَ ٱلرَّبُّ إِلَهُكَ.) وكأنَّ الرَّبَّ يُخبرنا عن طريقة الحصول على أوَّل مفتاحٍ من مفاتيح البركة، وهي بركة طول العمر، من خلال وصيَّة “أكرمْ أباك وأمَّك”.
من المؤكَّد أنَّ الهدف ليس فقط طول العمر، لأنَّ هناك من يعيش حتَّى المئة عام، ولكن مع ذُلٍّ وأوجاعٍ. يقول الرَّبُّ في الكتاب المقدَّس، في الرِّسالة إلى أفسس 6 (2 «أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ»، ٱلَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ، 3 «لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ ٱلْأَعْمَارِ عَلَى ٱلْأَرْضِ».) إذاً يكون لك خيرٌ مع طول العمر.
لاحظوا أنَّ وصيَّة إكرام الوالدين أتت قبل وصايا: “لا تقتلْ، لا تزنِ، لا تسرق”، وكأنَّ الرَّبَّ يودُّ أن يُعلِّمَنا أنَّ مخالفة هذه الوصيَّة أثقل من مخالفة وصايا القتل والسَّرقة والزِّنى.
وفي الوقت ذاته، أتت في المرتبة الخامسة بحسب ترتيب الوصايا، أي بعد الوصايا الأربع الأولى التي تتحدَّث عن علاقتنا بالرَّبِّ الإله، وكأنَّ الرَّبَّ يودُّ أن يُعلِّمَنا أنَّ والدينا يأتون بعد الرَّبِّ مباشرةً على الأرض.
• يعطينا الكتاب المقدَّس نماذج لأناسٍ أكرموا والديهم، فنالوا البركة والتَّكريم والعِزَّ من قِبل الرَّبِّ، منهم:
– يوسف، وإسحاق الَّذي أطاع أباه إبراهيم حتَّى عندما أصعده إلى الجبل لتقديمه كذبيحةٍ، وسام ويافث ابنا نوح اللذان لم يشمَتَا بأبيهما عندما تعرَّى بل سترا عورته فتباركا هُما ونسلهُما.
• في الوقت نفسه، يرينا الكتاب المقدَّس نماذج لأناسٍ لُعنوا بسبب عدم إكرامهم لوالديهم، منهم:
– حام أخو سام ويافث، الَّذي سَخِر لما رأى عورة أبيه فنال لعناتٍ هو ونسله من بعده، كما في سفر التكوين 9 (25 مَلْعُونٌ كَنْعَانُ! عَبْدَ ٱلْعَبِيدِ يَكُونُ لإِخْوَتِهِ.)
– يعقوب، الَّذي استغلَّ عَمى أبيه وسرق بُكُوريَّة أخيه فتعاقب من جنس الفعل، إذ استغلَّه خاله لابان وأدخل عليه ليئة بدلاً من راحيل إلى خيمة العُرس، بعد أن عَمِلَ سبع سنين ليتزوَّج بها، فاضطرَّ للعمل سبع سنين أُخر ليتزوَّج راحيل، وخدعه أولاده في شيخوخته حيث أخذوا ابنه يوسف ورموه في الجُبِّ، ثم باعوه للإسماعيليِّين، وعندما سُئل يعقوب عن أيَّام حياته، قال كما في سفر التكوين 47 (9 قَلِيلَةً وَ رَدِيَّةً كَانَتْ أَيَّامُ سِنِي حَيَاتِي).
• كيف يتمُّ تكريمُ الوالدين وفق ما أوصانا الرَّبُّ الإله؟
يخلط البعض بين التَّكريم والطَّاعة العمياء، معتقدين أنَّ التَّكريم يُحَتِّم عليهم الانصياع لطلبات والديهم في كلِّ شيء بينما يُعلِّمنا الكتاب المقدَّس ما المطلوب منَّا تماماً تجاه والدينا، فإن زدنا أغضبنا الرَّب، وإن أنقصنا أغضبناه أيضاً.
يتم إكرام الوالدين: أولاً بالاحترام ، ثانياً بتلبية الاحتياج.
• الأمر الأول: الاحترام.
وله عدَّة أنواع، منها: الاحترام بالنَّظر، والاحترام اللَّفظي (باللَّفظ)، والاحترام من خلال الفعل، وفي المسيحيَّة يشمل الاحترام الأنواع الثلاثة.
1. الاحترام بالنظر:
في سفر التَّثنية 27 (16 مَلْعُونٌ مَنْ يَسْتَخِفُّ بِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ.)
في بعض الأحيان يكون الوالدان هما السَّبب في استخفاف أبنائهما بهما أو بأحدهما، عندما يَسكُبان مشاكلهما أو انتقامهما من بعضهما البعض من خلال إخبار الأولاد بمساوئ الآخر، فتحاول الأمُّ أن تجعل أطفالها يكرهون أباهم، ويحقر الأب الأمَّ أمام أولادها ليكرهوها. وورد في سفر الأمثال 30 (17 اَلْعَيْنُ ٱلْمُسْتَهْزِئَةُ بِأَبِيهَا، وَٱلْمُحْتَقِرَةُ إِطَاعَةَ أُمِّهَا، تُقَوِّرُهَا غُرْبَانُ ٱلْوَادِي، وَتَأْكُلُهَا فِرَاخُ ٱلنَّسْرِ.)
2. الاحترام بالكلام:
حتى لو كان والدانا من أسوأ النَّاس، فإنَّ شتم الأب أو الأم ممنوع. وهذا لا يعني أنّ علينا إطاعتهم، بل الممنوع هو الشتم والتَّحقير، مهما كانوا سيِّئين، كما في سفر الأمثال 20 (20 مَنْ سَبَّ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يَنْطَفِئُ سِرَاجُهُ فِي حَدَقَةِ ٱلظَّلَامِ.) وقد جعل الرَّبُّ الإله قديماً عقوبة شتم الوالدين القتل، كما جاء في سفر الخروج 21 (17 وَمَنْ شَتَمَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلاً.)
علينا كمسيحيِّين إزالة قاموس الشَّتائم واللَّعن من لساننا مع جميع النَّاس، فكيف بالحري مع والدينا؟
3. الاحترام بالأفعال:
جعل الرَّبّ عقوبةَ شتمِ الوالدين القتلَ، فما بالك بمن يضرب والديه؟
في سفر الخروج 21 (15 وَمَنْ ضَرَبَ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ يُقْتَلُ قَتْلاً.)
هناك أمرٌ هام يجب الانتباه له وهو أن عصر التكنولوجيا غيّر ثبوتيات الأخلاق، حيث كان الوالدان في الماضي مصدرَ الخبرات، فالابن يرث مهنة أبيه، وكانت الأم مرجع ابنتها في الحياة وتربية الأطفال، ولذلك كان احترام الوالدين عظيماً. أمَّا اليوم، ظُلم الوالدان، لعدم مواكبتهما للتكنولوجيا وأصبحت طبيعة الحياة تجعل الأبناء يحتقرون خبرات والديهم.
• الأمر الثاني: تسديد الاحتياج.
يفرض علينا إيمانُنا المسيحيُّ، بشكلٍ عامٍّ، مساعدة الجميع، كما في الانجيل بحسب متَّى 5 (42 مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلَا تَرُدَّهُ) فكيف إن كان من يسأل ويطلب هما الوالدين؟
من واجبنا تسديد احتياج والدَينا، رسالة تيموثاوس الأولى 5 (8 وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يَعْتَنِي بِخَاصَّتِهِ، وَلَا سِيَّمَا أَهْلُ بَيْتِهِ، فَقَدْ أَنْكَرَ ٱلْإِيمَانَ، وَهُوَ شَرٌّ مِنْ غَيْرِ ٱلْمُؤْمِنِ) أي إنَّ كلَّ ما تقوم به من طقوس وعبادات وزيارات للكنائس وأصوام وصلوات، ستساويك بعديمي الإيمان إن كنت من المُقَصِّرين بحقوق والديك.
وقد علَّمنا الرب يسوع المسيح ذلك بنفسه، عندما سلَّم والدته مريم العذراء ليوحنَّا ليعتني بها، وتكون من خاصَّته.
يختلف تسديد الاحتياج، والإكرام، والاحترام الحقيقي، عن الإكرام الشكلي اللفظي الَّذي يتمُّ فقط أمام أعين الناس حيث وبَّخ الرَّبُّ يسوع اليهود على هذا الأمر تحديداً، في الانحيل بحسب متَّى 15 (5 وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: مَنْ قَالَ لِأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ هُوَ ٱلَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي. فَلَا يُكْرِمُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. 6 فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ ٱلْإِلَهِ بِسَبَبِ تَقْلِيدِكُمْ! 7 يَا مُرَاؤُونَ!)
وصولاً إلى المبالغة في التبجيل دون فعل بر حقيقي كما عند المسلمين حيث يقولون “الجنَّة تحت أقدام الأمهات”. وهذه مبالغة حد التجديف، فكيف لمكانٍ هو مسكنٌ للرَّبّ الإله، أن يكون تحت أقدام الأمهات؟
يبقى السؤال الذي يقض مضجع الكثير من الأبناء: ماذا إن كان والدَيّ سيئين جداً، كأن يكون أحدهما قاتلاً أو زانياً أو لصّاً، فكيف أُكرمهما؟
يعلمنا الكتاب المقدس 3 أمور مهمة عن حدود طاعة الوالدين السيئين:
1. عدم إطاعتهم إن خالفوا الرب: أفسس 6 (1 أَيُّهَا ٱلْأَوْلَادُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي ٱلرَّبِّ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ.) فعندما تصير طلبات الأب أو الأم ضد وصايا الرب، يجب أن نذكّرهم بما هو مكتوب في سفر أعمال الرسل 5: (29 «يَنْبَغِي أَنْ يُطَاعَ ٱلْإِلَهُ أَكْثَرَ مِنَ ٱلنَّاسِ.) حيث يقول الرب بوضوح في سفر حزقيال 20 (18 لَا تَسْلُكُوا فِي فَرَائِضِ آبَائِكُمْ، وَلَا تَحْفَظُوا أَحْكَامَهُمْ، وَلَا تَتَنَجَّسُوا بِأَصْنَامِهِمْ.)
2. عدم إطاعة الوالدين في نزواتهم الشخصيّة وأنانيتهم ورغبة البعض منهم في استعباد أولادهم فيتدخلون دون حق في بيوت أولادهم و أسماء أطفالهم و يغيظونهم بمقارنتهم مع أولاد آخرين، حيث توضح هذا الرسالة إلى كولوسِّي 3 (21 أَيُّهَا ٱلْآبَاءُ، لَا تُغِيظُوا أَوْلَادَكُمْ لِئَلَّا يَفْشَلُوا.) وفي الرسالة إلى أفسس 6 (4 وَأَنْتُمْ أَيُّهَا ٱلْآبَاءُ، لَا تُغِيظُوا أَوْلَادَكُمْ، بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأْدِيبِ ٱلرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ.)
3. إكرام الوالدين لا يعني الالتصاق بهم طيلة الحياة: في سفر التكوين 2 (24 لِذَلِكَ يَتْرُكُ ٱلرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِٱمْرَأَتِهِ) هذه هي وصية الرب لبناء زواج سليم وهي لا تتعارض مع إكرام الوالدين.
أما إن وضع الأبناء في اختيار بين إطاعة الأهل و اتباع الرب يسوع المسيح إن كان الأهل ضد الإيمان فالجواب يكون في الإنجيل حسب لوقا 14 (26 «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْتِي إِلَيَّ وَلَا يُبْغِضُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَٱمْرَأَتَهُ وَأَوْلَادَهُ وَإِخْوَتَهُ وَأَخَوَاتِهِ، حَتَّى نَفْسَهُ أَيْضاً، فَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَكُونَ لِي تِلْمِيذاً.)
أعطانا الإله في الكتاب المقدّس الطريقة السليمة عقليّاً وجسديّاً ونفسيّاً وصحيّاً لحياتنا مع أهلنا، وهي الإكرام والاحترام. أمّا الطاعة، فهي فقط بما يُرضي الرّب.
9 / ايلول / 2020