القديس الصامت يوسف النجار

هو خطيبُ العذراء مريم، والأب المربّي للرب يسوع المسيح، وكان اليهود يظنّون أنّه والده.
يليق بهذا القديس أن نتأمل حياته وقداسته، ونتذكره ونطوِّبه كما يليق بكل قديسي الرب يسوع المسيح، وهو جدير بذلك.
ذُكِر يوسف النجار في الكتاب المقدس 16 مرة، ومع ذلك، لا نعرف الكثير عنه، لا عن عمره، ولا عن وقت وفاته، ولا متى أخذ العذراء مريم إلى بيته، ولا عن شخصيات أقربائه، لأن الكتاب المقدس يسلط الضوء بشكل أساسي على المخلِّص الرب يسوع المسيح، أمّا ما تبقّى من روايات عن يوسف، سواء قيل أنّه كان عجوزاً، أو أنّه كان شاباً، فكلّها أمور غير مُثبَتة، وعلى الأرجح أنّ بعض الطوائف المسيحية اخترعت أحاديث عنه مسايرة للمسلمين، فيقولون لك: “هه! أنتم عندكم يوسف قد أخذ مريم وكان عمره تسعين سنة وهي كانت صغيرة،” وهذا الكلام عارٍ تماماً عن الصحة وغير مذكور في الإنجيل عن القديس يوسف النجار.
– يخبرنا الكتاب المقدس ثلاثة أمور مهمة عن القديس يوسف وهي:
1. أنه بار.
2. أنه إسرائيلي من سبط داود.
3. أنه نجار.
ربّى القديس يوسف النجار يسوع المسيح بطريقة عصاميّة، وبطريقة تجعله يعتمِد على نفسه، وعلّمنا بهذا الأمر أيضاً أن نعتمد على أنفسنا.
علّمَنا يوسف النجار أنه هو الذي حمل الإنجيل، البشرى السارة، بين يديه، فالمسيح هو الإنجيل الذي حمله يوسف بين يديه، ولكن رغم هذا، لم يطمع يوسف بالمجوس عندما جاءوا وأحضروا هدايا، ولم يطلب أمراً له، ولم يتودَّد من الملك، بل نفَّذ كلام الرب الإله حرفياً كما طُلب منه، بدون أيَّة مطامع أرضيَّة، وبدون أيَّ تعجرف، أو أي محاولة بطولية بأن يقول: “أنا هنا الذي أُشرف على تنشئة ابن الإله”.
بل العكس، عاش القديس يوسف في الظل، وسُمي ب”القديس الصامت”، لأنه لم يكن له أي جملة في الإنجيل بأكمله، ولم يَقُل رأيه في أمرٍ معين، حيث يُعلمنا هذا القديس الرائع، الصامت، البطل الحقيقي يوسف النجار، أن نتبع الرب الإله بالتَّمام، ولا نناقش بل نُنفِّذ، حتى لو لم نكن نفهم مئة بالمئة، ولكننا واثقون بالذي نعرف أنَّه يفهم كُل الفهم، وبالذي أعطانا أمراً معيَّناً لننفِّذه.
فنلاحظ كيف قال له الملاك: “لا تخف أن تأخذ مريم امرأتك لبيتك” فأخَذَها، علماً أن هذا الأمر كان حملاً ثقيلاً جداً، وربما لو عَلِمَ اليهود أن خطيبته حامل، لكانوا رجموه. وهو نفسه، عندما عرف أنَّها حامل، أراد تخليتها سِرَّاً، حتى لا يفضحها، لأنّه كان رجلاً بارّاً، بينما لو كان غيره مكانه لفكَّر في تبرئة نفسه ولم يكترث لها وربما طالب بالقصاص منها، ولكن كان يوسف بارَّاً، وأراد تخليتها سِرَّاً، لولا أن ملاك الرب قال له: “لا تخف يا يوسف، لأن المولود منها ابن العلي يُدعى، وهي حامل بالروح القدس” فقام ونفّذ الأمر وأخذها لبيته بصمت، وعاد الملاك وظهر له في حلم وقال له: (قُمْ وَخُذِ ٱلصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَٱهْرُبْ إِلَى مِصْرَ)، أيضاً بذات الصمت والطاعة، يقول الكتاب المقدس: (فَقَامَ وَأَخَذَ ٱلصَّبِيَّ وَأُمَّهُ)، ثم عاد الملاك وقال له: “قُم وخذ الصبي وأُمه وارجع، لأن الذي كان يريد أن يُهلِك الصبي قد مات” فقام وأخذ الصبي وأُمه ورجع بصمتٍ أيضاً.
ربما نرى الصورة على أنه ظُلِمَ كثيراً، حيث أنَّه حتى تلاميذ ورسل الرب قد جرى ذكرهم في الكتاب المقدس أكثر منه، ولكن في الحقيقة إنَّ إكرام الرب الإله ليوسف النجار كان عظيماً. فقد ذكر الإنجيل ثلاث مرات عن يوسف: “يسوع ابن يوسف”، فكان جميع الناس، واليهود، يعرفون أن يسوع هو ابن يوسف. وأي تكريمٍ أكثر من أن يُذكر يوسف كأب أرضي لابن الإله؟!
يوسف هو دعوة لنا كمسيحيين لنتمثل به، بطاعته وبصمْته وبمحبته وبخدمته، بعصاميته وبعزة نفسه، وبال”آمين” التي قالها.
منذ فترة سألني أحدهم، وقال لي: “أنتِ تقولين أنَّه لا يجوز علينا أن نُؤلِّه القديسين، ولا يجوز أن ننذُر أولادنا لهم، ولا يجوز أن نقُول: “يا قديس احمِني واشفِني”، فإذاً كيف تطوِّبين القديس وتكرّمينه؟!”
اليوم في هذا المقال أجبتكم: هكذا نكرّم قديسينا، بأن نذكُر كيف عاشوا لكي نتمثّل بهم. فيمكنك تسمية ابنك يوسف، ولكن لا يمكنك أن تنذُره لمار يوسف، لأن النذر هو فقط للرب الإله، فبمجرَّد أن تنذر ابنك لشخص ما، تجعل هذا الشخص أو القديس إلهاً لك.
ولا يمكنك أن تذبح لمار يوسف، لأنَّ الذبائح ولو أنها أُبطِلَت مع ذبائح العهد القديم، تُقدَّم فقط للرب الإله.
يمكنك أيضاً وضع مغارة الميلاد الرمزية وفيها شخصية يوسف، رغم أن جميع هذه الصور ليست حقيقية، بل هي عبارة عن تخيُّلات ورسومات لقديسين، فيمكنك وضعها في المنزل، ولكن لا يمكنك أن تُقبِّلها، ولا أن تطلب منها، ولا تسجد أمامها ولا أن تتوقع ويكون رجاؤك وأملك في هذه الصور والتماثيل، وكل شخص يظن أنه يُقدِّس القديس بهذه الطريقة، يكون في الواقع يُؤلِّهه، وهكذا ستُسيء للقديس، ولنفسك، وتُسيء للمسيحية بشكل عام، لأن الكتاب المقدس يُخبرنا أنه لنا شفيعًا واحداً ووسيطاً وحيداً بين الخالق الآب السماوي والناس، وهو الرب يسوع المسيح الإبن ولدينا الروح القدس (يَشْفَعُ فِينَا بِأَنَّاتٍ لَا يُنْطَقُ بِهَا.)
فإذاً الرب الإله بذاته هو أعظم شفيعٍ لنا، وعندما تلجأ لشفاعات أُخرى، تكون كما لو أنك تقول له: “شفاعتك يا أيها الروح القدس لا أريدها!” وهنا عليك أن تتحمَّل ما سيأتي عليك.
ليحفظ الرب أولادكم الذين يحملون اسم «يوسف»، فنحن بالطبع نستطيع أن نسمّي أبناءنا بأسماء قديسي الرب، وما أجمل هذه الأسماء، لكن الأهمّ أن نُعلّم أبناءنا أن يكونوا مثل يوسف النجار.
19 / آذار / 2022